تصريح عمل
![]() |
| تصريح عمل |
فى الطريق لهناك كنت أفكر فى الأمر هل حقًا أردت هذا،أنا الذى قضيت أعوامى الأخيرة لا أعرف ما أريد! لم يأخد الأمر منى الكثير حتى وصلت كان على أن أفتح حقيبتى للتفتيش على البوابة أمر روتينى وبسيط ما ان صعدت قابلنى الموظف المختص فى الاستقبال ووجهنى لتصوير بعض المستندات من المكتبة خارج المبنى وأنا بدورى وجهت اليه الشكر،حين عُدت كان كل شيء على ما يرام كما توقعت استلمت إيصال السداد من موظف آخر وأخبرنى أن آتى لاستلام التصريح الخاص بى بعد أيام.
فى طابور طويل بعد خمس أيام شاهدت بعض الحضور ينتظرون سماع أسمائهم اعتقدت ان الأمر سيطول ذهبت لصديقى السابق فى الاستقبال بادلنى التحية وسألته بخصوص التصريح الخاص بى لم يستغرق الأمر الكثير حتى أخبرنى أنه لا يعرف شيئُا وبدا أنه لن يستقبل شكرى هذه المرة وبطبيعة الأمر غير مستعد للتعاون ،حين اضطررت للبقاء فى الطابور لاحظت انه اوشك على الانتهاء توجهت للموظف وقام بفحص التصاريح الموجودة ليخبرنى ان اسمى غير موجود وطلب ايصال السداد ليوجهنى بعد ذلك لموظف آخر قام بالبحث فى أوراق مختصرة بعكس الدفتر الآخر بدا لى أنها مرسلة بالفاكس وقال لى أنه سيتوجب على الانتظار فى غرفة من غرف الموظفين خارج المنطقة الخاصة بالجمهور بعد عشر دقائق فوجئت بشخص يطلب منى الذهاب معه حين استفسرت عن الأمر أخبرنى أن الأمور بخير وأن التصريح الخاص بى موجود . أين ؟ موجود اتفضل معايا. تسلل القلق لكنه لم يكن بالقلق الكبير أنا بصحبة موظف حكومى يعمل فى وظيفة عادية فى بلد كلها معظمها مساكين ماذا سيحدث بأى حال؟ هكذا اعتقدت ونا على الدرج المؤدى للدور الأرضى حتى لاحظت أننا نسير فى الطريق للخارج،خارج المبنى.
من حسن حظى أن المبنيان مجاوران وكلاهما يقع فى نطاق واحد يضم 4 منشآت ذات صلة لأننى لم أكن لأوافق أو أصمد بأى حال لو رافقت شخص مجهول الهوية إلى مكان مجهول الهوية يستغرق وقتًا لوصوله،فى الخارج بعد اجتياز البوابة فهمت الأمر لكن أخبرته أننى لا أفهم ما يحدث قال لى أن الأمر بسيط وطلب منى بلطف مرافقته لبوابة الدخول الخاصة بالمبنى المجاور وعندها أرسلت لصديق لى كان بيننا موعد قريب أننى فى قبضتهم وطلبت منه اخبار عائلتى فى حال تأخرت لأكثر من عدة ساعات،عند الحاجز قبل البوابة كانت هناك مجموعة من الشرطة كانوا على معرفة بالشخص المرافق لى وعند البوابة الرئيسية للمبنى كان هناك عدة أفراد مسلحين أحدهم جلس فى غرفة الأمن الزجاجية ويستقبل ويرد على الهاتف تم تفتيشى بدقة وحذر شديدين ولما طلب منى اغلاق هاتفى وتسليمه أخبرته أن أجرى مكالمة لعائلتى قال لى مرة اخرى أن الأمر غير مقلق ولن يتعدى مناقشة سريعة،استجبت له ورافقنى لغرفة مقابلة لغرفة الأمن لكنها بناء خرسانى لها باب مفتوح تشبه الى حد كبير مقر احتجاز مؤقت مزودة بكاميرات. قضيت الساعة الأولى وحيدًا إلى أن جاء شخصان من أصحاب اللحى الطويلة لا يبدو أنها المرة الأولى بالنسبة اليهما كنت حذرًا فى الكلام معهم وهم كذلك لم نتكلم تقريبًا وفى خلال ساعتان كانا قد رافق كلا منهما شخص للداخل حين أتممت الأربع ساعات حاولت الاستفسار أخبرنى شخص بعدم الخروج من الغرفة بنبرة قوية وبعد نصف ساعة اخرى جاء الشخص ليخبرنى بضرورة الحضور غدًا فى ساعة معينة واخبار أفراد الشرطة بالخارج والمسلحين على البوابة باللازم حتى يسمحوا لى بالدخول. قضيت الباقى من يومى مشتت درست السيناريوهات والاحتمالات،ربما أثقلت على نفسى لكننى قبلها بشهور قليلة كان تم توقيفى فى محطة قطارات لأسباب غير مفهومة بالطبع تمت اهانتى لم تكن المرة الأولى ولست الوحيد فى هذا البلد،لكن كيف أصبح من الطبيعى أن أستشعر القلق فى كل خطوة هنا!
لم أنم وفى اليوم التالى كنت فى الموعد تجاوزت الشرطة بكلمة وتوجهت للبوابة ووجدت أن المسلحين الموجودين مختلفون عن هؤلاء الذين شاهدتهم بالأمس أنا عبدالرحمن جئت لأقابل العقيد فلان الفلانى ملحقًا برقم ثلاثى مكرر طُلب منى هويتى وهاتفى والمحفظة وبعد أن تم تفتيشى قام الشخص الممسك دائمًا بالهاتف بذكر اسمى لأحدهم انتظرت حتى آتى شخص من الداخل ورافقنى وبدأ بسؤالى ان كنت قد ولدت هنا ودرست الهندسة فى القاهرة خمس سنوات،بدأ باخبارى عن عمى وعن بيت جدى القديم وبيت العائلة وعمتى المتزوجة فى المكان الفلانى وعن زوجها الموظف بالتربية والتعليم وعن عمل أبى ومكان عمله أخبرنى عن كل شيء تقريبًا حتى أنه أخبرنى بشيء جديد عن أبى،فى المسافة بين البوابة والمبنى تأملت باب الدخول يسبقه درجات من رخام الجرانيت لا أذكر وجود انارة فى بهو المدخل،المصعد لم يكن بأفضل حال لا انارة والمزيد من الوسخ والأتربة وحين توقف المصعد لم تكن هناك اضاءة للممر المؤدى للمكاتب كانت اضاءة نهارية بسيطة رأيت شخصًا يسير بسرعة وقام بتوجيه التحية لمرافقى سمعت صياح أحدهم لكن الصوت كان بعيد ربما فى دور آخر أو فى مبنى ملحق بالخلف أعرف هذا الصوت جيدًا لكننى حين وصلت للمكتب كان كل شيئ مرتب لا أصوات مؤسفة لا يوجد مسلحين،اضاءة كاملة وستائر جيدة غير متسخة واثنتان من نباتات الظل ثلاجة صغيرة مكيف سبليت بدرجة حرارة مناسبة وشاشة وأريكة مريحة وطاولة قهوة صغيرة ورف خشبى يوجد به مصحف وبعض الكتب والتذكارات .
كان الاستقبال جيّد حتى أنه أصر على أن أشرب شيئًا وقال أنه بامكانى التدخين اذا أردت حين بدأنا الحديث لم يسأل عن شيء محدد طلب منى أن أحكى لكننى انتظرت حتى ألتقط خيطًا منه لأتحدث تكلمنا عن أشياء كثيرة كيف ضُبطت سابقًا ،دراستى الجامعية،استبعادى الأمنى من الخدمة فى الجيش فى اللحظة الأخيرة ،رأيى فى النظام الحالى والسابق من تمنيت ليكون رئيسًا فى انتخابات ما بعد 2011 ،زملائى السابقين وزملاء داخل السجون وزملاء بالخارج وأشخاص لم أعرفهم ولم أقابلهم، تناقشنا عن مدى جاهزية الشعب للديمقراطية،ان كنت أفكر بالهجرة للخارج أم لا ،تكلمنا عن هيكل واستشهدت بتجربته وعن السعدنى وعبدالناصر وبالطبع تجاهلت امورًا وتنصلت من بعضها وقمت بالنفى على الكثير مما يستلزم النفى وتطرقنا أخيرًا عن عملى وعنوانه وطبيعة عملى وأوقات عملى ومرتبى والوقت المتوقع لاجازاتى بعدها صافحنى وقال لى أنه غير مسموح لى بالسفر فى الوقت الحالى وسيتوجب على إلغاء تذاكر الطيران والانتظار حتى يصل لى إذن بالسفر.

تعليقات