عواد وتلك العجوز الثرثارة


فى الطريق لسوهاج لم يكن لديه القدرة على رؤية اشخاص اغبياء او التعامل معهم .. لن يكون اول من تتفتح عقولهم ليروا مأساة هذا الشعب وتلك السذاجة المبالغ فيها بل هذا اللؤم والخبث الذى لن يمر عليه الكثير حتى يصبح مملاً بطريقة لا يتحملها عقل ولا منطق .

لن يكون الاول لانه من ذوى البشرة السمراء بلهجته الصعيدية ، وما اكثرهم الآن حين يذهبون الى القاهرة طلبآ للعلم ولانهم أناس جديين منذ صغرهم فقد كانوا أهلاً لهذا العلم فأتوا يشربون منه حتى تمتلأ عقولهم وتتفتح ليعود الى وطنه الاصل ويفاجأ بأشكال من التخلف الفظيع والتى تظهر واضحة فى من هم أكبر سناً نظراً لأنهم عاصروا تلك العقليات وعاشوها بكل ما فيها من سىء وأسوأ وجيد أيضاً ..

" عواد" لأنه تعلم ورأى تلك اللحظات الجميلة التى قضاها فى القاهرة فقد أصبح الحديث مع جدته ليس ممتعاً كسابق عهده بل أصبح ينتكس هذا الحديث الذى تتطفل به جدته على حياته وتعطيه نصائح سذجة يكرهها ويبغضها فى نفسيته .. أصبح يسأمها ويكره اجازته فى سوهاج بسببها ولكن اين يقضى الأجازة فى غير وطنه الذى نشأ وترعرع فيه وعاش اجمل ذكرياته وأيامه الجميلة ،بعد توقفه أمام سيارة ميكروباص فى موقف المنيب أخذ يتأمل من فيها قبل أن يقرر هل يستقلها أو يستقل التالية فوجود أحد المسنين فى السيارة هو أمر كافى كى يعتذر عنها ويستقل التالية حتى لو حكمت عليه الظروف بأنتظار القطار المتحرك فى تمام الساعة الـ6 صباحاً .. لم يكن بداخل السيارة سوى شباب ورجال تتراوح اعمارهم من 18 لـ45 سنة .. يال هذا الحظ الجيد , لن يزعجنى طوال الرحلة أى من هؤلاء الذين الأغبياء.

.. يسأل "عواد" عن موعد أنطلاق الميكروباص لكن السائق يجيبه بأنه ينتظر اكتمال العدد يستغرب " عواد " فعندما نظر الى السيارة قبل ان يركبها لم يلاحظ أن هناك فراغ يتسع لشخصين لم يأتيا بعد ،ولم يكد السائق يكمل حديثه حتى لاحظ " عواد " امرأتين قادمتان نحو السيارة ..

ولأن ظروفآ أخلاقية جعلت الشابين الذين كانا بجواره ينتقل كل منهم الى كرسى فى الوراء وتسبب ذلك فى جلوس الأمرأتان بجوار " عواد " ،والانتكاسة لم تكن الا انه رأى أنهن من النوع " الثرثار" علاوة على أن أحداهن مسنة وتجلس بجواره مباشرة وقد تسبب هذا فى عكننة تلك الرحلة الطويلة التى ستكون مملة ولاسيم بجوارهن.

عندما انطلقت السيارة لم يكن بوسعه الا الدعاء أن ينقذه الله وألا يسمع منهم ما يضر بسمعه ونفسيته ،طوال الطريق لم يكن لديه القدرة على استيعاب الورطة والمصيبة التى حلت به بجلوسه بجوار تلك الثرثارة الملعونة التى لن تكف عن الثرثرة الطويلة كى تستمتع هى ورفيقتها بالرحلة الطويلة وتؤذى بدورها نفسية " عواد " الذى لا يملك شيئاً سوى النظر إليهم واستحقارهم وأحاديثهم أيضاً ،ظلت تلك العجوز الثرثارة تتحدث وتسأل السائق بسذاجة وأسلوب مبالغ فيه .. حتى ان السائق الصعيدى نفسه كان يبتسم سخرية من سذاجتها التى كانت تستفز مشاعر " عواد " طوال الطريق وهو يتأمل كلامها المستفز فيزداد غيظآ وحنقآ من تلك العجوز الثرثارة .. عندما سألت تلك العجوز الثرثارة عن الأجرة وأجابها السائق فردت بالرفض والحسبنة عليه لأنه يستغل الموقف ! ، ولم تكن فى حاجة لأن تكمل كلامها السخيف حتى تستفز " عواد " أكثر من ذلك .. حيث أن الأجرة التى طلبها السائق هى أقل ما يمكن أن تدفع ولأنهم فى أخر النهار وليس الليل فليست هناك أى مواقف أو ظروف تستدعى هذا السائق لأستغلالها !

تقترب السيارة أكثر وأكثر .. ها أصبحت الآن على مشارف سوهاج وأخيرآ سينزاح هذا الكابوس ويحتسب " عواد " ما حدث له من ملل وأكتئاب عند الله ،لكن يبدو أن تلك العجوز الثرثارة الغبية لن تستريح من ثرثرتها وسذاجتها .. يبقى أنه عندما دفعت الأجرة تبقى لها حوالى 12 جنية دفعها السائق وكلها من المعدن ،وعندما أراد السائق أن يقوم بتبديل ورقة بخمسة جنيهات منها كى يحصل على فكة تساعده على دفع الباقى للركاب الذين دفعوا له .. فسألها السائق وهو فقط ينتظر أن تخرج خمسة جنيهات معدنية لتبديلها .. لكنها فاجأت الجميع وأوصلت " عواد " الى أن ٌ أصبح حنقه فى حلقه ٌ وأخبرت السائق أنها لا تملك أى فكة .. ما الذى يدعوها للكذب بهذه الطريقة وهى تعلم تمامآ ما تبقى معها من نقود .. سذاجة !

بعد أن أصبحت السيارة بداخل سوهاج فعلآ .. تخبر العجوز السائق أن يوصلها حتى باب منزلها الكائن فى قرية بعيدة عن موقف السيارات الذى سيتوقف فيه السائق لليلة على الأقل حتى يستريح من تلك الرحلة الطويلة لكن السائق أبدآ لن يرد لأنه غير قادر على الأجابة لانه بعد أن سألته تأمل " عواد " السائق فرأى نظرات الأحباط فى عيناه حيث أنها عندما سألته بطريقة مستفزة وكأنها تحاول أن تخبره أنه لم يفعل شيئآ وأنه لو أوصلها سيكون قد شعر بأنه قد أدى واجبه ..! ،وأقتربت محطة وصول " عواد " وهو يتمنى أن يبصق على تلك العجوز قبل النزول حتى يشفى غليله منها ،عندما حاول " عواد " النزول لم تحاول تلك العجوز أن تفسح له الطريق أبداً فى منظر يدل على الأنانية الخالصة .. يتحدث السائق بصوت عالّ: يلا يا أستاذ خلص الطريق واقف ،" عواد " يحاول النزول ولكنه لا يستطيع يحاول اخبار تلك العجوز ولكنها لا تسمعه ويستمر السائق الشاب فى ترديد كلامه ولكن هذه المرة بطريقة لا تليق بـ" عواد " الذى درس الحقوق وألقى الشعر فى ندوات طلابية حضرها الكثير من المثقفين فى القاهرة .. يسود السيارة دقائق من الصمت ينزل بعدها السائق من السيارة ليرى ذلك الشاب الذى لا يريد النزول .. يستمر الصمت والسائق يخبر " عواد " بصوت متحشرج أن ينزل من السيارة ولكن " عواد " لا يلتفت الى السائق.

ويقول الذين حضروا المشهد ان " عواد " ظل ينظر الى تلك العجوز ويتأملها والغضب واضح على وجهه .. ونظر الى السائق نظرة لم يفهمها احد .. واقترب من تلك العجوز .. نظر اليها مليآ .. ثم انهالت ضرباته.

تمت.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

مش عايز تقول حاجة

طموح تلك الطفلة