سائق درجة أولى

ما حدث هو أننى ف وقت متأخر من تلك الليلة استوقفت سيارته الاجرة وكنت متجهاً لميدان الجيزة ،ومن حسن الحظ أننى تمكنت من الجلوس بجواره ف المقعد الأمامى ،خُيل لى للوهلة الأولى عندما رأيته وناولته الأجرة بأنه من أصحاب الخبرة الكبيرة ف الحياة ،بدا عليه الغضب والسخط ع كل شيء حوله " اقفلى الباب كويس يا مدام ،دى دين أم فلوس بتدفع عشان يتصلح " صاح بعنف ف سيدة بدا عليها الاندهاش من غضبه وأعتقد انها تفهمت استعداد هذا النوع من السائقين ف هذه الحالة للقيام بأى صدام ممكن .
السيارة تتحرك ،كلاكس عالٍ - سيارة نقل تسير أمامنا مباشرة - وهو بدأ بسباب هستيرى توقعت معه أن الأمر لن ينتهى عن هذا الحد ،وأيضاً قد أضطر للتوقف وأخذ سيارة اخرى ف حال قرر هذا المجنون ايقاف الشاحنة والتوقف لمعاتبة سائقها الذى غالباً لن يسمح بمرور هذا السباب القاسى مرور الكرام .. وحمداً لله أنه لم يحدث شيء ولا أعتقد أن أحدهم ف أيام كهذة يود أن يضيع وقته ف مهاترات ،وكما أخبرنى أحد أجيال الستينات بأنهم - المصريين - لم يعد لديهم وقت ولا متسع للشجار ف أمور كهذه .
" إيه يعنى ؟ عربية نقل ! " - يسأل ويجاوب
" دانا سواق درجة أولى يا ولاد الوسخة "
" كنت بسوق تريلات ياما ،سواقين كُبار كانوا تباعيين ورايا "
" أرزااق ،والله هى أرزاق يا أستاذ ،منا كان لازم اجوز الواد برضه " - وهو يختلس نظرات سريعة ناحيتى بدا أنها أقل حدة وأكثر وداً من ذى قبل
" تعرف ؟ أنا معلميين كبار أوى بيكلمونى لحد دلوقتى ،بس أنا مبردش عليهم "
" شركات نقل بتكلمنى ،نفسهم أشتغل معاهم ،وأنا للى برفض ،أنا كبرّت يابنى ،معلش ممكن أعتبرك زى ابنى وأقولك يابنى ؟ أصل أنا محبش أشتغل ف حاجة مش بتاعتى ،الميكروباص ده بتاعى ،ببقى مرتاح وأنا سايقه عشان محدش يتحكم فيا ويحاسبنى برضه "
" والله أنا سواق درجة أولى ومعلمين كتير بيكلمونى ،لسة أهو مكلمنى معلم من أكتوبر " - يرفع هاتفه المحمول  أمام عينى
" بس مفيش حد بيرحم "
" كنت أسوق الترلة متجيش منى لا كدا ولا كدا ،كانت خط مستقيم "
" يرضيك أسوق حاجة مش بتاعتى وعيل لامؤاخذة بشخة قد ابنى يتحكم فيا ؟ "
"مينفعش ،أيوة أنا باخد كام جنى ف الطلعة ع الميكروباص ودول يدوب برضه ،بس الحمد لله "
"أصل برضه أنا مش هينفع أتحمل حد يتحكم فيا "
" أنتَ إيه رأيك ؟ "
" يا أستاذ ! "
"مبتردش ليه ،انتَ زعلت من كلامى ؟ "
.. 

 * 1:00 ص
21 ديسمبر، 2012 
كورنيش المعادى - حلوان 

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

مش عايز تقول حاجة

طموح تلك الطفلة

عواد وتلك العجوز الثرثارة