.. أنا ويوم 6ابريل

سببآ لا أعرفه جعلنى أتردد كثيرآ قبل أن أروى ما حدث معى فى هذا اليوم ..
" بلادى بلادى .. ، لكى حبى وفؤادى "
كانت تلك الكلمات أخرجها منبه موبايلى الذى قام بايقاظى ذلك اليوم فى تمام العاشرة صباحآ عندما استيقظت فكرت كثيرآ قبل أن أخرج من بيتى ، نظرت فى الساعة بعدما أنتهيت من الاستعداد للخروج فكانت الساعة الـ11 بالتمام ، عند خروجى من المنزل كنت أطالع وجوه الناس من حولى هل هذا اليوم له صداه عند الناس هل فعلآ أدرك الشعب المصرى ما يحاك ضده من نظامه هل تخلص الشعب المصرى من صفاته التى أحتفظ بها على مدار قرون عديدة ؟ الجبن والنفاق ,اللؤم والخبث , الكسل والحقد ، تلك فعلآ هى صفاتنا كمصريين ولأننا ندرك الحقيقة فنحاول نداريها بالصياح والأكاذيب .. تلك الشعارات الرنانة التى نطلقها كمصريين "الشعب العظيم" .. شعب مصر "اللى مفيش زيه" ، كل تلك العبارات والأكاذيب التى يرددها المصريون . عندما كنت صغيرآ روى لى الكثير عن أمن الدولة نتيجة لخبرات طويلة فى الحياة وأستشهاد بأشخاص ودلائل كثيرة فحواها أنى لابد أن أعيش بلا وعى بلا حرية وأنا أتحمل هذا الكلام عن أمن الدولة والمفترض أن يصيبنى الرعب.
، بداخلى كنت ألومهم كثيرآ وأحيانآ أيضآ كنت أتصوره كخادم أو ككائن غبى جبان ، الا أن تلك الصفات والخوف المتآصل بداخل الشعب المصرى هو نتاج طبيعى لما يحدث لهذا الشعب منذ عدة قرون ، أنه التاريخ المصرى المزيف الذى يعتقد المصريين أنه تاريخ مشرف يدل على قوة الشعب المصرى ورفضه للأستعمار والظلم !
التاريخ المصرى فى الحقيقة ليس سوى سلسلة متصلة من الهزائم منينا بها أمام كل الأجناس بدءآ من الرومان الى اليهود ، الشعب المصرى الى يتمسح الآن فى الفراعنة ، كان الفراعنة أمة عظيمة حقآ لكن ما علاقتنا نحن المصريين الآن بهم ؟ نحن نتاج مشوش فاسد لأختلاط جنود الفاتحين بالسبايا من الرعايا المهزومة . لذلك لم أتوقع أن أرى صدى ذلك اليوم فى وجوه الناس وفى طريقى لميدان التحرير وانا فى المترو كنت أتأمل وجوه الموظفيين والمسنين وحتى الشباب ,كنت أسخر منهم فى قرارة نفسى كيف يسمحون وهم أبناء الشعب المصرى "العظيم" بأن يفعل بهم هذا النظام الويلات وهم خاملون هكذا ، كنت أرمقهم بنظرات أحتقار شديدة حتى ان بعض الناس قد لاحظوا هذا مما دعاهم الى النظر الىّ بأستغراب شديد ، لا أعرف حتى أن كنت قد تحدت بصوت عالّ فى المترو هذا اليوم أولا ، ربما تحدثى كان سببآ فى نظراتهم التى تنم عن اصابتهم بالذهول .
* * *
الساعة 12.5 ظهرآ كنت أمام الجامعة الأمريكية أتجهت الى ميدان التحرير فمن المفترض أن تبدأ مسيرة من هناك لكنى لم أجد الا أفراد من الأمن المركزى وبعض البلطجية ، عدت الى الجامعة الأمريكية مرة أخرى وأحببت أن أسير فى وسط البلد قليلآ أتطلع الى تغطية الأحداث كاملة قبل أن أذهب الى الشرارة المشتعلة أمام مجلس الشعب وأثناء مرورى بشوارع وسط البلد وجدت أعدادآ هائلة من جنود الأمن المركزى وفرق البلطجة على أتم الأستعداد لمواجهة أى مظاهرات محتملة وسط البلد .
أثناء وقوفى أمام مجلس الشعب شاهدت لأول مرة فى حياتى قسوة بتلك الطريقة كانت فرق البلطجة تعتقل الشباب المشارك بعنف وضرب واحدآ تلو الأخر ، وكانت هناك الفتيات التى قامت فرق البلطجة بضربهن بطريقة وحشية حتى انهم كانو يعمدوا الى كشف عوراتهم فى الشارع، كل هذا أضافة الى ضرب الصحفيين ومنع أى منهم من تصوير ما يحدث ومصادرة الكاميرات ، أثناء رؤيتك للمشهد كاملآ تكتمل لديك الرؤية الواضحة التى تبنى على أساسهآ سياسة هذا النظام وطريقة تعامله مع شعبه وتكتمل لديك دائرة الأقتناع بضرورة زوال هذا الظلم الفادح الذى يقع عليك كمصرى، أثناء وقوفى أمام المجلس أشاهد ما يحدث مصحوبآ بصيحات الفتيات فى الناحية الاخرى من الطريق يتولد لدى شعور بالحزن الشديد والتعاطف معهن ، فجأة ألمح مجموعة من البلطجية يصرفون الناس من الناحية الأخرى من أمام المظاهرة التى تحولت الى مأساة وأنتهاك واضح لحقوق الانسان وكنت من بين الناس أشاهد البلطجية وهم يقتربون أكثر فأكثر يصرفون الناس بطريقة وقحة تميل الى الضرب ، الجميع كان يجرى ما أن يلمحوا هؤلاء البلطجية وهم يصرفوهم وقفت أشاهد ما يحدث غير مكترث بالبلطجية الا أن فوجئت بشخص يضربنى من الخلف ضربة بدت فى ظاهرها غير مقصودة
لكنها آلمتنى كثيرآ وقام ذلك الشخص بدفعى بقوة جعلتنى أجرى حتى أتحاشى السقوط وفجأة وجدت نفسى وانا ممسك بيديه قبل أن يدفعنى مرة أخرى أبدى له غضبى كمواطن لم يفعل شىء أو كأنسان لا يجب أن يعامل بهذه الطريقة المهينة نظرت اليه لحظة وكأننى أرجوه ألا يعاملنى هكذا وأنا سأنصرف وأنفذ مادام هذا ما يريده لكنى فوجت بصفعة قوية على وجهى وبعدها لم أرّ شىء من حولى فقط سمعت أصوات كثيرة كان أولها مكبر صوت تخرج منه أوامر بالاعتقال شىء ما جعلنى أسمع هذا الصوت وهو يتردد ملزمآ البلطجية بضرورة أعتقالى.
وبعدها أحسست بأكثر من يد تمتد الى جسدى وتجرنى على الأرض وفى تلك الأثناء سمعت شتائم كثيرة قبيحة لدرجة جعلتنى متأكد أن تلك الألفاظ قد تعلمها البلطجية وواجب أن يخرجوها عند عملهم ولم تكن شتائم فقط فقد كان هناك سب مصحوبآ بقذف يجعلك تشعر حينها أنك فى طريقك للمحاكمة على جريمة سرقة أو زنا ، فجأة وجدت أنى وقعت على أرضية من الحديد بعدها ذوبت فى ظلام دامس .
* * *

عندما كنت صغيرآ كنت أرى سيارة الترحيلات فى الشارع وهى تسير أو تقف عند أشارة مرور لا أتوقف لحظة عن النظر اليها بأعجاب كنت أتمنى أن أدخلها كنت متشوق للعب بداخلها تلك السيارة التى تحمل صندوق حديدى مغطاة بلون أزرق ماذا يوجد بداخلها ؟ من المؤكد أن بداخلها أشياء مثيرة كنت أتمنى يومآ تقف فيه على أحد جوانب الطريق وبابها الخلفى مفتوح وانا وأصدقائى بداخلها نكتشفها وننظر من الفتحات الصغيرة على الشارع والمارة وقد نتختبىء فيها لنطلق أسلحتنا من تلك الفتحات على المارة فتكون قمة فى الاثارة ، عندما كبرت بدأت أكتشف انها لجنود الشرطة فتمنيت لو أننى من هؤلاء الجنود وأحيانآ كنت أراها وقد ظهرت من فتحاتها الضيقة عيون خائفة ومرعوبة وعلمت بعد ذلك أن تلك العيون ترجع الى مساجين قاموا بعمليات قتل وسرقة ومخدرات ، ومع الوقت وجدت أنى فترة بعد فترة أتنازل عن أعجابى لتلك السيارة وأحيانآ كنت أخاف منها واحيانآ أخرى أحتقرها الا أننى لا زالت لدى شهوة فضولية تدفعنى نحو النظر لتلك السيارة وداخلها وتمنيت لو أجلس بداخلها لبضع ثوانّ لأحس حينها أنى داخل دلك الصندوق الحديدى !
عندما أعتقلت ذلك اليوم كنت وحيدآ بداخل تلك السيارة نظرت من حولى وشاهدت الفتحات الضيقة وكانت هناك فتحة بالقرب من زاوية السيارة تنظر منها أعين شريرة فعرفت أنها فتحة باب الصندوق الداخلى الذى يجلس فيه المجرمون واللصوص وتجار المخدرات لتذهب بهم السيارة للسجن والأعين كانت "للشاويش" الذى كان يراقبنى ويحذرنى من أستعمال الموبايل فيما بعد ،بعدها توافد الكثير من الشباب المعتقلين وأدركت حينها مدى كرهى الشديد لهذا الصندوق الحديدى الذى وضعنا فيه كالحيوانات بلا نفس ورائحته العطنة كنت أضع وجهى فى الفتحات كى أستطيع التنفس بحرية ، كنت لا أزال مصدومآ مما حدث معى وأسترجعت طريقة أعتقالى وأين ضربونى بالضبط حيث كنت أكتشف من حين لأخر أن هناك وجع فى منطقة ما من جسدى ظللت هكذا متشوقآ لمعرفة ما سيحدث معنا من أهانات وتعذيب ،كنت خائف لكن قليلآ فلم أعتقد أنه سيحدث أكثر مما حدث أثناء الأعتقال ومن خلفيتى عن 6ابريل والمعارضة والمتظاهرين أستبعدت أن يقوموا بتعذيبنا فلن تضع الحكومة نفسها فى موضع أكثر أحراجآ أمام العالم من أعتقالنا هكذا ، أحساس صعب أن تجد نفسك هكذا بدون أصدقاء يشاركونك تلك المحنة والآلم لكن فى حقيقة الأمر لم أكن أشعر بذلك أطلاقآ كنت أعرف غالبية المعتقلين عن طريق الانترنت لكنى أعتقد أن أحدآ لم يكن يعرفنى برغم ذلك فقد تعامل الجميع معى وكأننا أصدقاء تربطنا صلات قوية ، فى خضم ذلك كنت أنتظر أن يشاركنا عبدالرحمن فارس الوحيد من المعتقلين الذى أعرفه جيدآ حتى من قبل أن أكتشف أنه ناشط سياسى له نشاطه الكبير لهذا الحد فضلآ على أنه الوحيد الذى أعرفه من محافظتى معارض لكنه ليس أخوان مسلمين فغالبية من أعرفهم معارضون للنظام فى الفيوم هم أخوان مسلمين ، بعد أن دخل عبدالرحمن الى السيارة ممسكآ ببنطاله وبالكاد حافظ على ما فى قدميه من الوقوع وقميصه الذى ارتداه كانت مفتوحآ . أستغرق قليلآ حتى تفائل فعلمت من وجهه أن هناك شىء مشين فظيع حدث معه قبل أن يصعد الى السيارة وقد علمت فيما بعد أنهم قادوه الى " جراج البنك "المواجه لمجلس الشعب و قاموا بخلع ملابسه حتى يعثروا على ميمورى كارت أعتقدوا أن عبدالرحمن يحمل عليه صورآ لضرب الفتيات والصحفيين وعلمت أيضآ أنه لم يكن بحوزته ميمورى كارت أصلآ، عندما دخل عبدالرحمن السيارة وقد أخبرته كيف أعتقلونى أكد لى أن الموضوع بسيط وطمأننى على ما سيحدث وأسوأ الاحتمالات وكل خطوة كانت تترسخ لى أفكار بأن كلامه صحيح وما حدثنا عنه هو والمعتقلين الذين سبق أعتقالهم هو ما حدث بالفعل وبحكم معرفتهم أيضآ الى أين سيأخذوننا فقد أتبع أحدهم الطريق التى تسلكها السيارة فعلمنا أننا فى طريقنا الى الاسماعلية الصحراوى وقد علمت فيما بعد أنه معسكر للأمن المركزى خصصته وزارة الداخلية لأستقبال المعتقلين فى هذا اليوم .
كل ما علمته عن هذا المعسكر الذى تم أحتجازنا فيه أنه يمتد لبضعة كيلو مترات داخل الصحراء بعد دخولنا من البوابة الرئيسية وسير السيارة مسافة طويلة حتى وصلنا للمعسكر وعندما توقفت السيارة شعرت بخوف شديد جعلنى متأكد من أنهم سيستقبلوننا بالكلاب والعصا الكهربية وتخيلت أن "أبو الليل" ببشرته القمحاوى وسذاجته التى تنم عن أميته وجهله بالحياة السياسية سذاجته التى ستسمح له بأن يضرب بعنف أعداء الوطن وأعداء الله عندما يفتح باب الصندوق الحديدى الذى أنا بداخله ، وعندما فتح الباب رأيت منظرآ مهيبآ ثلاث لواءات تتدلى كروشهم يجلسون فى أستقبالنا أمامهم صف من الظباط يحيط بهم مجموعة من عساكر الأمن المركزى مستعدين لأى حادث طارىء . النزوال كان واحدآ تلو الأخر وقد علمنا أن هناك تفتيش ذاتى بعد النزول فأخرج الجميع كروت الميمورى وخطوط الموبايل وحاول كل واحد بطريقته الخاصه أخفاء خط موبايله ، عند نزولى نظرت حولى ورأيت المنظر فشعرت بقشعريرة مصحوبة بخوف شديد ،كان هناك من يمسك بى حتى ينتهى المسئول عن التفتيش من المعتقل الذى سبقنى وقد سألنى بغير أن ينظر الىّ ": أنت منين ؟" فأخبرته أنى من الفيوم وكنت مستعدآ لتوضيح أنه تم أعتقالى عن طريق الخطأ لكنه أكتفى بهذ السؤال فقط ، عندما دخلت على البلطجى الذى يقوم بالتفتيش ونظرت الى يداه فتأكدت من غباء من عينه على التفتيش فعند دخولى عليه أخرجت كل ما فى جيبوبى وقد خبأت خط الموبايل بين أوراقى المالية فى حين أن كارت الميمورى كان فى مخبأ صغير فى بنطالى الجينز الذى تأكدت أنه بأمان حيث أنه من المستحيل أن تشعر تلك الأيدى الضخمة بشىء صغير ككارت الميمورى أثناء تفحصه ملابسى من الخارج ، بعد التفتيش قاموا بالسؤال عن الأسم والعنوان المدون فى البطاقة بعدها دخلت الزنزانة وكان فى استقبالى عبدالرحمن .
الزنزانة هى ذلك المكان الذى توضع فيه وغير مسموح لك بالخروج قد تقضى فيها أيام أو حتى شهور طويلة بدون أن ترى الشمس ،هذا الأحساس بالضعف والأنكسار وشعورك بأنك تحت رحمة ساجنيك قد يفعلوا بك أى شىء ومن يراهم الآن ومن يرانا أيضآ الآن برغم المعاملة "المعتدلة" منهم الا أنك بحكم أعتقالك لأول مرة ولأنك لم تدخل قسم شرطة من قبل تجد أن كل شىء وارد فى تصرفاتهم فأنت الآن تحت ارادتهم ليس لديك ما يمنعهم عنك حتى أنك قد تبقى هنا أيام بلياليها دون أن يعلم أهلك أين أنت الآن ،عندما أكتمل عددنا فى الزنزانة والحر الفظيع والتقاط الأنفاس أصبح صعبآ تصدر بعض المواقف المضحكة والتى تجعلك تشعر بقليل من الاطمئنان وقد قمنا بتبادل الحديث عن السياسة وعن الفتيات التى سحلهن رجال الأمن وقاموا بضربهن ،دار الحوار بين مجموعة من الشباب والجميع مستمع وقد سمعت أسماء الفتيات التى شاركن فى هذا اليوم "صفا، أنجى،جانيت" وكانت الأخيرة قد قالت فيما بعد أنها أحتجزت فى "جراج البنك" مع مجموعة الشباب ومع عبدالرحمن فارس وشاركته التفتيش عن الميمورى كارت الغير موجود أصلآ وقد أكدت أن الشرطة النسائية أجبرتها على خلع ملابسها بحثآ عن هذا الكارت .
* * *
منذ فترة قريبة كنت أتخيل أنى محقق فى المخابرات أو أمن الدولة وقد تفننت فى أكتشاف ما يجب علىّ كمحقق أن أفعله حتى أحصل على ما أريد وقد كنت أعلم أيضآ أن الضرب وحده لن يثنى المعتقل عن أقواله كنت أتخيل أنى جالس على مكتبى وفى يدى لفافة التبغ أقوم بالتحقيق مع ضحيتى بأساليب تميل الى الأستفزاز وأن أشعره بأنه على خطأ وأقوم بعمليات نفسية بسيطة كى ينهار ويقر بالحقيقة ، ولكن يبدو أنى كنت ممثلآ بارع ومحققآ ممتاز رغم أنى لم أقرأ شيئآ عن أساليب التحقيق فقط بعد الأفلام التى رأيتها جعلتنى أتوصل الى هذا التخيل وتلك الصفات التى كنت متأكدآ أنها لابد أن يتمتع بها اى محقق فى مثل هذه الأجهزة المهمة فى البلد لكن وبرغم أن ما حدث معى لم يكن تحقيق بمعنى الكلمة أو نستطيع القول أنه "تحقيق قصير" للتأكد من هويتك وأنتمائتك السياسية وكيفية معرفتك بـ 6 أبريل ، عندما خرجت من الزنزانة الى المحقق الذى لا زلت أذكر وجهه المستفز جدآ ، قبل خروجى كان المعتقلين قد أكدوا أنه لابد أن يشعر المحقق أنك ناضج حتى تكتسب الأحترام .
بدأ هذا المستفز الكلام بـأنى لابد أن أرجع خطوة للوراء ثم تبع هذا الأمر بأن أتقدم خطوة للأمام بعدها دارت الأسئلة عن معرفتى بـ6 ابريل وحاول أن يجعلنى أقر بأنى من شباب 6ابريل لكنه فشل ثم تبع ذلك بسؤالى عن سبب وجودى فى وسط البلد فى ذلك التوقيت بالذات وعندما أخبرته بأنى جئت لأشترى بعض الأشياء فوجئت برد غريب كاد أن يفقدنى السيطرة على أعصابى حيث فوجئت به يخرج لسانه متحدثآ "حمرة" فعلمت أنى على وشك أستقبال المزيد من الألفاظ وقد أضطر لأستقبال شتائم قد تجرح شعورى لحد كبير ،تلك الرواية التى قمت بتأليفها عن سبب وجودى فى وسط البلد فى ذلك التوقيت وبعد أصرارى عليها لم يكن لديه وقت كى يحاول اللعب بأعصابى من جديد حتى أقر أنى تظاهرت حقآ ،وسألنى عن اذا كنت أنتمى الى حزب سياسى أو لا فأخبرته بأنى لا أنتمى لأى حزب ولا أى حركة وسألنى عن أى جريدة أقرأ وقد دهشت من هذا السؤال فأكدت له أنى أقرأ كل الجرائد فقال لى":أحنا هنستعبط؟" وأكدت له أنى مستخدم انترنت جيد فأجد فى يومى ما يكفى لمطالعة غالبية الصحف ،لكنه أصر على أنى أقرأ المصرى اليوم بأستمرار وعندها أكتشفت مصيبة أخرى جعلتنى أشعر بأحباط كبير تجاه هذا النظام فكيف لسؤال كهذا أن يطرح على الساحة من رجل أمن من أعطاه الحق كى يسألنى أذا كنت أقرأ تلك الجريدة وكأنها تهمة جديدة ستضاف الى التحقيق ؟ أين حرية الصحافة من هذا السؤال ،وبسبب الغيظ الشديد من هذا "الأتهام" المستفز جدآ أجبته أنى أحرص على مطالعة المصرى اليوم والدستور أيضآ ،وعندها نظر الىّ وكأنى قد أعترفت على نفسى بتدبير "عملية أنقلاب" فقال لى ":والله!" فأجبته أنه ليس هناك ما يمنع قرأتى لأى صحيفة مادامت تصدر وتسمح الحكومة بتوزيعها على الشعب وقد شعرت بأنى قوى جدآ فى الرد على أسئلته فى تلك اللحظة ، فقال لى مجددآ بأنى من 6ابريل وعندما كررت نفى هذا قال لى":لما انت مش منهم ايه اللى عرفك اليوم ده " فأجبته أجابة أعتقد أنها استفزته جدآ خرجت وقد كانت أمواج من الخوف بداخلى تحاول منعها ":حضرتك انا مش وحدى اللى عارف انا أعرف أن كل الناس عارفة اليوم ده انا أعرفه من زمان من برامج التوك شو وبعدين موضوع 6ابريل ده فى شباب بالألاف على النت منهم دا غير أن كل صحف العالم كتبت عنه قبل كدا ،وبعدين حضرتك انا مش عايش كائن ملوش لازمة أنا عندى خلفية قوية عن 6 ابريل ولو كنت منهم بجد انا مكنتش هنكر لأن مفيش حاجة تمنعنى من كدا وكمان لو كنت فى أى حزب أنا هقول فورآ على الأقل الحزب هيقف جنبى ولو حصل لى حاجة لا قدر الله الحزب هيتعامل كويس لأنى هبقى تحت مظلة حزب ومن حقى أنى أعترض على حاجات الحكومة موافقة عليها والقانون مش بيمنعها لكن انا بجد مكنتش مشترك النهارة فى حاجة " بادرنى قبل أن أكمل حديثى بقوله موبايلك رقمه ايه؟ ،وتليفون المنزل، وأميلك وكأنه قد يأس منى فقد سألنى فى محاولة أخيرة عن أنضمامى لحركة كفاية أو الجبهة الوطنية للتغيير فقابلت محاولته تلك بالنفى فأمر بأن أنصرف وبعد أن أقتادنى شخص الى زنزانة أخرى وجدت من سبقونى فى التحقيق فى انتظارى وقد شعرت بعد أنتهاء هذا التحقيق البسيط بنشوة الانتصار تفوح بداخلى وبعد أن أستلقيت على الأرض لأريح جسدى قليلآ شعرت أن الموضوع أخد وقته وأنه لا شىء يجعلنى أخاف فقط بعض التعب والارهاق داخل تلك الزنزانة الملعونة .
لأول مرة تذوقت طعم السجن كيف أسجن بهذه الطريقة وماذا يفعل من يقيم فى السجن عدة سنوات لأنتمائه السياسى كيف يستطيع أن يحيا وسط هذا الجو المفعم بالأوامر مرت ساعات وساعات والمعتقلين يتحدثون عن أهم القضايا السياسية وسياسة الحكومة المخزية ،أنتظرنا طويلآ ومن حين لآخر كانوا يقومون بعملية أحصاء لعددنا لكن يبدو أنه لم يكن بينهم أى من خريجى كلية التجارة أو حتى خريجى أبتدائى حيث أنهم أضطروا لأحصاءنا أكثر من مرة وعندما نقف فى صفوف نجد أنهم متوترين وكلهم أصرار على التخلف وعلى الغباء فلم يعرفوا عددنا الحقيقى الا بعد عناء ! ، بعد مرور وقد طويل كانت الساعة 12 ليلآ وقد بدأوا يقوموا بأنتقاء أشخاص معينين وقد علمت أنه قد توجهوا للنيابة العامة حيث وجهت لهم تهم الاعتداء على رجال الأمن وأصابة 32 مجند وضابط ومحاولة قلب نظام الحكم وشل حركة المرور بشارع مجلس الشعب ،بعد أن أنتقوا الكثير من الشباب من بيننا منهم من رحل الى قسم شرطة معين ومنهم من ذهب الى النيابة العامة كنت أنا فى أخر 20 شاب وكلهم كانوا من محافظات غير القاهرة والجيزة وأثناء خروجنا لم أجد الموبايل ولكن وجدت ورقة مكتوب عليها أسمى وتحمل رقم مسلسل على الأرض تحت المكتب الذى وجدت عليه الموبايلات وعندما سألت أحد الضباط الذين أقتادونا حيث سيارة الترحيلات قال لى ":بعدين يا حبيبى " .
سيارة الترحيلات ليلآ لها طعم أخر حيث تجلس فى ظلام دامس ولا ترى الا عيون زملائك فقط تلمع بالبراءة الكافية لجعلك تشعر بالفخر بأنك شاركتهم وشاركوك ما حدث فى ذلك اليوم عندما سارت السيارة مسافة علمنا أننا على الطريق الدائرة وكانوا يفرجوا عننا دفعات فمثلآ عندما نزلت من سيارة الترحيلات كنت بصحبة 2 أخرين وقبلها بحوالى 3 كيلو نزل 4 أخرين وقبلها 2 وهكذا تناثرنا على الطريق الدائرى فى حوالى الساعة الواحدة والنصف صباحآ .
.
لم أندم على ذلك اليوم لكنى سأندم على يومآ أنافق فيه هذا النظام الفاسد !
.
بس خلاص!

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

مش عايز تقول حاجة

طموح تلك الطفلة

عواد وتلك العجوز الثرثارة